اسماعيل بن محمد القونوي
25
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
فإن كان المعنى على وجه يناسب المعاند لا يحتمل ما يلائم الجاهل وبالعكس وبالجملة قوله ويحتمل إلى آخره تركه أولى من تعرضه له لخلل فيه كما عرفته ولهذا لم يتعرض له غيره : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [ آل عمران : 7 ] الآية حال من ضمير يتبعون باعتبار العلة الأخيرة « 1 » أو من ضمير تأويله عند من جوز الحال عن المضاف إليه فيفيد أنهم ليسوا بأهل التأويل « 2 » لأنه مخصوص به تعالى والراسخون في العلم . قوله : ( الذي يجب أن يحمل عليه ) أراد به تصحيح الحصر وهذا بناء على أن التأويل يطلق على التأويل الباطل كإطلاقه على التصحيح المطابق للواقع وإلا فلا حاجة إلى هذا القيد . قوله : ( أي الذين ثبتوا على الحق ) وراجعوا إلى المحكمات ( وتمكنوا في العلم ) بالتأويل برد المتشابه على أم الكتاب الذي هو المحكم وأولوا تأويلا يطابق مقتضى المحكم وهذا هو المراد بقيد في العلم ولقد أغرب من قال إن المراد بالعلم الإيمان واللّه المستعان . قوله : ( ومن وقف على إلا اللّه ) ولم يعطف الراسخون عليه ( فسر المتشابه ) في قوله تعالى : وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [ آل عمران : 7 ] ( بما استأثر اللّه بعلمه كمدة بقاء الدنيا ووقت قيام الساعة ) الأولى ومن فسر المتشابه بما استأثره اللّه بعلمه وقف على اللّه فعلى هذا الراسخون غير عالمين بتأويل المتشابهات وهذا مذهب علماءنا كما صرح به في التوضيح فحينئذ يكون المحكم شاملا لما سواه من المتشابه الذي لم يستأثر اللّه بعلمه فحينئذ فائدة الإنزال ليس ما ذكره المصنف فيما مر من اجتهاد العلماء في تدبرها وإتعاب القرائح في استخراج معانيها بل الفائدة حينئذ ابتلاء الراسخ بالتوقف وتسليم علم ذلك إلى اللّه تعالى ويلقى نفسه في درجة العجز ويتلاشى علمه في علم اللّه تعالى وهذا أعظم البلوى وأعمهما جدوى فلا إشكال بأنه حينئذ فما الفائدة في إنزال المتشابهات لأن الابتلاء فائدة عظمى لما ذكرنا . قوله : ( وخواص الأعداد ) أي تخصيص بعض الأشياء بالعدد المعين ( كعدد الزبانية ) فإنها تسعة عشر وسر كونها مخصوصة بهذا العدد مما استأثر اللّه بعلمه وإن بين المص وجهه في سورة المدثر بطريق الاحتمال « 3 » وذكر الحياة الدنيا في قوله تعالى : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [ آل عمران : 185 ] ومدتها مما استأثر اللّه تعالى « 4 » بعلمه وما وقع
--> ( 1 ) وهو ابتغاء تأويله لأنه معطوف على العلة وهو علة معنى وإن كان تابعا لها لفظا . ( 2 ) والتأويل لا يطلق إلا على صحيح فذكر القيد المذكور لمجرد التوضيح . ( 3 ) يعني المدركة العشرة الظاهرة والباطنة والفاعلة حيث قال والمخصص لهذا العدد أن اختلاف النفوس البشرية في النظر والعمل بسبب القوى الحيوانية الاثني عشر وللطبيعة السبع لكن المناسب السكوت لما ذكرنا من أنه استأثر اللّه تعالى بعلمه وهي الباعثة الشهوية والغضبية والمحركة وهي الثلاث المخدومة الغاذية والنامية والمولدة وادرج المصورة فيهما والأربع الخادمة الهاضمة والجاذبة والماسكة والدافعة . ( 4 ) استأثر بالشيء استبد به أو اختص به وهو لازم كما نقل عن بعض كتب اللغة ومعناه أنه سر من أسرار اللّه تعالى خصه اللّه تعالى بعلمه أي جعله مقصورا على علمه وفي بعض النسخ استأثره اللّه بالضمير المفعول فالظاهر أنه بتضمين خص .